أبو القاسم الهادي يكتب : السند القانوني لمبدأ الأجر مقابل العمل

13-04-04
استعرض أبو بكر أبو القاسم الهادي، المحامي بهيئة الدار البيضاء، مجموعة من الأفكار المهمة في موضوع “السند القانوني لمبدأ الأجر مقابل العمل”، مُعتبرا ذلك خلال مداخلة قدمها في ندوة انعقدت بمراكش 2 و3 مارس المنصرم “اغناء للنقاش الذي ينبغي أن يفتح في هذا موضوع الشائك”، يعد من أسباب الاحتكاك الشديد بين الفريقين المُتجاذبين في الساحة”، سيما “في أفق القانون التنظيمي الذي يتطلع الجميع إلى تقديمه إلى الجهاز التشريعي في أقرب وقت”.
ولأهمية الدراسة، التي قسمها الباحث إلى مدخل تمهيدي، وأربعة مباحث، ثم خاتمة، نوردها كاملة:  

المدخل التمهيدي:
– من المبادئ المستقرة أن أداء العمل يسبق أداء الأجر، ووردت نصوص عديدة بهذا المعنى، سواء في القرآن أو في الحديث النبوي، من بينها ما جاء في سورة القصص في معرض قصة موسى وبنات شعيب عليهما السلام عند قوله تعالى “إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا”،  وقوله تعالى في سورة البقرة “فإن أرضعن  لكم فآتوهن أجورهن”.
– ومنها قوله صلى الله عليه وسلم “أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه”.
 – ومؤدى ذلك أن دفع الأجر يسبقه انجاز العمل.
-2-
 – وهذا المبدأ أدركه سلفنا الصالح، وطبقه تطبيقا جيدا، لم يَسبق له نظير، ويكفي هنا الاستشهاد بما هو معروف في سيرة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله، في ذات عيد من الأعياد حين جاءته إحدى بناته وهي تبكي، فسألها ما يبكيك، فأجابت (كل الأطفال يلبسون ثيابا جديدة، وأنا بنت أمير المؤمنين ألبس ثوبا قديما)، فرق لحالها وتأثر، فذهب إلى خازن بيت المال، فطلب منه أن يصرف له راتب الشهر القابل، ولم يعترض الخازن على ذلك، ولكن علقه على شرط واحد، وهو أن يضمن له الأمير أن يبقى حيا إلى الشهر القادم ليعمل بالأجر الذي يريد صرفه له مسبقا، فتركه عمر ورجع إلى بيته، فقال لأبنائه، (تصبرون وندخل جميعا الجنة، أو لا تصبرون ويدخل أبوكم النار، قالوا نصبر).
       – وهذا المعنى هو الذي يحمله المثل الشعبي المغربي المعروف: “تسبيق الأجرة من تبطال العمل”.
       – بعد هذا الأصل العام المؤسس لمبدأ الأجر مقابل العمل، نمضي إلى الحديث عن المباحث الأربعة وهي:
المبحث الأول: الأساس القانوني، أو القواعد القانونية المشتركة بين القطاعين الخاص والعام.
المبحث الثاني: الأساس القانوني الخاص بالقطاع العام.
المبحث الثالث: كيفية تطبيق الاقتطاع وإجراءات تنفيذه.
المبحث الرابع: إطلالة خاطفة على ما هو معمول به في التشريع الفرنسي.
 
المبحث الأول: المقتضيات القانونية المشترك فيها بين القطاعين الخاص والعــام
   وفيــه ثلاثــة مطالــب
المطلب الأول: أحكام تتعلق باستحقاق الأجر مقابل العمل
        – من المسلم به أن العمل والأجر ركنان من أركان عقد الاجارة، وهي نوعان إجارة الأشياء، وهي الكراء، وإجارة الأشخاص أو العمل، كما ينص على ذلك الفصل 626 من قانون الالتزامات والعقود.
 
-3-
 
– ويعرف الفصل 723 من هذا القانون، إجارة الخدمة أو العمل بأنها عقد يلتزم أحد طرفيه بأن يقدم خدماته الشخصية للطرف الآخر، نظير أجر يلتزم هذا الأخير بدفعه له.
       – وينص الفصل 734 على أن رب العمل، أو المخدوم يجب عليه أن يدفع الأجر وفق الكيفية المحددة في العقد، أو وفق ما يقضي به العرف.
        – والمبدأ العام هو أن الأجير لا يستحق الأجر إلا عن العمل المنجز فعلا، وعن الخدمة المؤداة فعلا.
       – وليس لهذا المبدأ إلا استثناء وحيد، وهو أن الأجر يكون مستحقا رغم عدم أداء الخدمة، أو عدم إنجاز العمل، وذلك في الحالة التي لا يتمكن فيها الأجير من أداء عمله، لسبب يرجع إلى رب العمل كما هو منصوص عليه في الفصل 735 من القانون المذكور، بشرط ألا يكون قد أجر عمله للغير.
       – اذا هذه هي الأحكام المشتركة والمتعلقة بالتزام الأجير بأداء العمل، وبالتزام رب العمل بدفع الأجر.
 
المطلب الثاني: أحكام خاصة بالموظفين العموميين
        – إن عقد العمل الرابط بين الموظف (الأجير) وبين الدولة (رب العمل) تنظمه أحكام ظهير 1958.2.24 المتعلق بالوظيفة العمومية، ويحدد حقوق الموظف وواجباته.
       – فقد جاء في الفصل 17 منه بأن الموظف مسئول عن القيام بالمهام التي عهد إليه بها.
       – وجاء في الفصل 24 بأن كل مرشح تم قبول توظيفه، يجب عليه أن يجعل نفسه رهن إشارة الإدارة فيما يتعلق بتسميته، وبتعيين مقر عمله.
       – ونص الفصل 26 منه على أن الأجرة تشتمل على المرتب، وعلى التعويضات العائلية وغيرها من التعويضات والمنح المحدثة بمقتضى النصوص التشريعية أو النظامية.
       – ونص الفصل 37 على الوضعيات التي يكون عليها الموظف، ومنها حالة (القيام بالوظيفة) وهي التي تهمنا:
-4-
 
       – وهذه الوضعية عرفها الفصل 38 منه (بأنها الحالة التي يكون فيها الموظف في وضعية القيام بالوظيفة إذا كان مرسما في رتبة ما، ويزاول بالفعل مهامه الوظيفية).
       – وأضاف القول: (ويعتبر قائما بالعمل الإداري طيلة رخص الأمراض وطيلة الرخص الإدارية).
– ومعنى ذلك أن عقد العمل يبقى ساري المفعول، ولا يتوقف حتى في حالات المرض والرخص الإدارية، ويستمر إلى غاية انتهاء مفعوله بأحد الأسباب المذكورة في الفصل 76 من الظهير وهي: (1) الاستقالة (2) الإعفاء (3) العزل (4) الإحالة على التقاعد.
        – وماعدا الرخص الإدارية، أو بسبب المرض المنصوص عليها في الفصلين 38 و39، فلا يجوز للموظف أن يتغيب عن العمل إلا في الحالات التي ورد النص عليها في الفصل 41 من الظهير، وهي الرخص الاستثنائية مع التمتع بكامل المرتب، وللإدارة وحدها صلاحية تقدير درجة الاستثناء، وتحديد عدد أيام التغيب.
       – كما أن من بين الموظفين المرخص لهم قانونا بالتغيب مع بقاء الراتب، الممثلين النقابيين، والمنتخبين، بمناسبة الحضور في المؤتمرات المهنية النقابية والاتحادية والتحالفية الدولية، على ألا تتجاوز مدة التغيب 10 أيام.
       – والهدف من التنبيه على هذا الأمر سيتضح عند الكلام عن الاقتطاع في المحور الثاني.
       – وبذلك يتبين أن الموظف يجب أن يكون في حالة القيام بالوظيفة طيلة أيام وساعات العمل المحددة قانونا، ولا يجوز له التغيب إلا في الحالات السالف ذكرها.
       – ولكن تجدر بنا الإشارة إلى ما جاء في الفصل 42 من هذا الظهير الذي ينص على أن التغيب بسبب المرض يجب أن يدلي الموظف بشأنه بشهادة طبية تثبت المرض ومدة العجز عن العمل، وجاء في الفقرة الثالثة من هذا الفصل ما يلي:
“إذا لم يقع التقيد بأحكام الفقرة السابقة، فإن الأجور المدفوعة للمعنى بالأمر طوال مدة” “المرض يسقط الحق فيها بسبب خدمة غير منجزة وفقا للنصوص التشريعية الجاري” “بها العمل، وذلك دون إخلال بالعقوبات التأديبية المنصوص عليها في هذا النظام”
        – ومعنى ذلك أن أي تغيب غير مرخص به، لا يستحق عنه الأجر كما ينص عليه الفصل 40 من الظهير.

>
-5-
       – وتجدر الإشارة كذلك إلى الفصل 75 مكرر من الظهير والمضاف بالمرسوم الملكي المؤرخ في 1968.12.17، الذي ينص على أن الموظف الذي يتعمد الانقطاع عن عمله، يعتبر في حالة ترك الوظيفة، ويتعرض للمتابعة التأديبية.
المطلب الثالث: المقتضيات الخاصة بالمأجورين في القطاع الخاص
        – هذا القطاع يخضع لأحكام مدونة الشغل، سواء في ضبط العلاقة بين الأجير ورب العمل، أو فيما يتعلق بالنزاعات الفردية أو الجماعية.
       – وتنص المادة (32) منها على أن عقد الشغل يتوقف مؤقتا في حالات متعددة، منها حالة الإضراب.
       – وإذا كان العقد في حالة التوقف المؤقت، فإن جميع آثاره بالتبع تتوقف، من الأجر، ومن مسئولية المتبوع عن حوادث الشغل، وعن عمل التابع، وغير ذلك.
        – وبطبيعة الحال، فإن الأجر لا يؤدى إلا عن العمل المنجز فعلا في حالة العمل بالمردودية (بالقطعة) أو بعد الاشتغال طيلة ساعات العمل المحددة قانونا.
       – وهذا ما يفهم من المادتين 347 و363 من المدونة، والتي تفيد أن الأجر لا يدفع إلا بعد أداء العمل.
       – وكيفما كان الحال، فإن نظام أداء الأجور في القطاع الخاص لا يثير نقاشا كبيرا، لأن حساب مستحقات الأجير لا يتم إلا بعد أداء العمل.
 
المبحث الثاني: الأساس القانوني للاقتطاع من الأجر
        – كما سلف القول، فإن مقتضيات قانون العقود والالتزامات التي أوردناها في المطلب الأول عرفت عقد العمل، وأركانه وموضوعه، ومقتضيات ظهير 1958.2.24 التي أوردنا ذكرها تناولت التزام العامل أو الموظف الذي هو أداء العمل، والتزام الإدارة بدفع الأجر.
       – وكل هذه النصوص لم تتطرق لكيفية وفاء الدولة بالتزامها بدفع الأجر إلى الموظف مقابل العمل الذي أنجزه وأداه.
       – وكيفية إثبات الدولة الوفاء بالتزامها بدفع الأجر وردت في المرسوم الملكي المؤرخ في 1967.4.21 المتعلق بالمحاسبة العمومية.
 
-6-
 
       – وبالرجوع إلى الفصل 41 من هذا المرسوم نجد أنه يعرف تنفيذ التزام الإدارة (المشغلة) بأنه:
“الأداء هو العمل الذي تبرئ به المنظمة العمومية ذمتها من الدين، ولا يمكن أن يتم” “هذا الأداء قبل أن يتم تنفيذ العمل …..”
       – وهذا النص مشوب بالركاكة اللغوية، إذا ما قورن بالنص الفرنسي الذي جاء كما يلي:
« Le paiement est l’acte par lequel l’organisme public se libère de sa dette»
« sous réserve  des exceptions prévues par la loi ne peut intervenir avant l’exécution du service »
        – والحال أن كلمة “acte” يقابلها (تصرف) وليس (العمل) وأن كلمة “organisme” يقابلها “جهاز”
       – ويعرف الفصل 79 من هذا المرسوم وسيلة إثبات أداء أجور الموظفين كما يلي:
تتألف الأوراق المثبتة لنفقات الموظفين من قوائم جماعية أو فردية تتضمن بخصوص كل عون بيانات إلزامية من بينها “مدة الخدمة المنجزة”.
       – ومؤدى ذلك أن الأجر لا يؤدى إلا عن العمل المنجز، أي عن عدد أيام العمل التي اشتغل فيها الموظف.
       – ويترتب على هذا المؤدى وبمفهوم المخالفة أن الأيام التي تغيب فيها الموظف لا يؤدى عنها الأجر.
       – وهنا نصل إلى مركز الإشكال ومحوره، وهو التغيب بسبب الإضراب.
       – من المعلوم أن النقاش الذي يدور حول هذا الموضوع ينصب كله حول مشروعية الإضراب أو عدم مشروعيته، انطلاقا من أحكام الدستور، ومن الاتفاقيات الدولية.
       – وسواء اكتسى الإضراب صبغة المشروعية، أو اكتسى صبغة عدم المشروعية، فإنه في الواقع تغيب.
       – ومن هذه الزاوية ينبغي مناقشة الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين.
-7-
 
       – وكما سلف ذكره، في معرض المطلب الثالث من المبحث الأول، فإن المشرع قد حدد حصرا، أنواع التغيبات العادية، التي يتمتع فيها الموظف المتغيب براتبه كاملا، وهي تلك المنصوص عليها في الفصلين 38 و39 من ظهير 1958.2.24 وحدد حصرا التغيبات الاستثنائية في الفصل (41) منه، والتي يتمتع فيها الموظف بكامل الأجر.
 
       – وهنا تبرز أهمية مناقشة التغيب بسبب الإضراب، فإذا كان مشروعا رغم صراحة النص بمنعه، فإن ذلك لا يتعرض معه الموظف للمتابعة التأديبية، وإذا كان غير مشروع، فيترتب على ذلك متابعة الموظف تأديبيا، طبقا لما ينص عليه الفصل 75 مكرر من ظهير 24 فبراير 1958، لأنه تغيب غير مبرر قانونا.
       – نخلص من ذلك إلى القول بأن الأجر يستحق ويؤدى بالتناسب مع عدد أيام العمل الفعلي، ولا علاقة له بالإضراب سواء كان مشروعا أو غير مشروع.
       – ونخلص من ذلك أيضا إلى القول بأن اقتطاع مبلغ يتناسب مع أجر عدد أيام التغيب بسبب الإضراب، إجراء موافق للقانون، بل ونقول بأن الآمر بالصرف تنبغي محاسبته ومتابعته بالتفريط في المال العام حين يؤدى للموظف المضرب الأجر عن أيام الإضراب، لأنه غير مستحق.
        – وفي ختام هذا المبحث ينبغي التنبيه على أن هناك اقتطاعين، الأول: هو استرجاع ما توصل به الموظف المضرب من الأجر بدون وجه حق، والثاني: اقتطاع على وجه عقوبة تأديبية، وهي الحرمان المؤقت من الأجرة كلا أو جزءا، والمنصوص عليها في الفصل (66) من ظهير 24 فبراير 1958.
       – ولذلك ينبغي التمييز بين الاقتطاعين، وعدم الخلط بينهما، فالثاني عقوبة تأديبية، والأول استرجاع لما دفع دون أن يكون مستحقا.
 
المبحث الثالث: كيفية تطبيق الاقتطاع واجراءات تنفيذه
        – إن الأساس القانوني للاقتطاع هو عدم الاستحقاق طبقا لما هو مقرر بمقتضى القواعد العامة للقانون، وبمقتضى القواعد الخاصة والواردة في قانون الوظيفة العامة، وفي قانون المحاسبة العامة للدولة.
       – وكل هذه المقتضيات لا تشير إلى كيفية حساب الاقتطاع، ولا لكيفية تنفيذه.
 
-8-
 
       – وهذا الأمر قد تناوله القانون رقم 81-12 المأمور بنفاذه بمقتضى الظهير المؤرخ في 5 أكتوبر 1984.
       – وهذا القانون فيه فصل فريد، ينص على أن كل موظف أو عون للدولة أو للجماعات المحلية يتغيب بدون ترخيص، يتعرض راتبه لاقتطاع تحدد شروطه وكيفيته بموجب نص تنظيمي.
       – ورغم أن القانون رقم 81-12 نشر في العدد 3764 من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 1984.12.10 رغم ذلك، فإن النص التنظيمي لم يصدر إلا بتاريخ 10 ماي 2000، أي بعد 15 سنة ونصف سنة، حين صدر مرسوم 10 ماي 2000، الذي حدد النسبة التي تقتطع من الأجر وهي 1/60 عن التغيب في نصف كل يوم عمل، أو ساعة منه، أي 1/30 عن كل يوم عمل، لأن المرسوم صدر قبل العمل بالتوقيت المستمر.
       – وينص على أن النسبة تحسب اعتمادا على الراتب الأساس.
       – ونص في المادة (6) منه على أن الأمر بالاقتطاع يتخذه رئيس الإدارة التي ينتمي إليها الموظف المعني بالاقتطاع.
       – ويوجه الأمر بالاقتطاع إلى المصالح المكلفة بأداء الأجر، من أجل تنفيذه.
       – وتنص المادة (4) من المرسوم على أن الأمر بالاقتطاع يتم اتخاذه بعد أن تقوم الإدارة بتوجيه استفسار كتابي إلى الموظف أو العون حول أسباب تغيبه.
        – ونعتقد أن هذا الإجراء لا داعي له إذا كان السبب معروفا لدى الإدارة كما هو الشأن في حالة الإضراب، خاصة وأن النص لا يرتب أي جزاء على عدم القيام به.
       – وبذلك يتضح أن الأجر لا يستحق إلا مقابل العمل، ويتضح أن الاقتطاع مؤسس قانونا، ونسبة الاقتطاع محددة قانونا، وكيفية تنفيذه محددة قانونا.
 
المبحث الرابع: إطلالة خاطفة على ما هو معمول به في التشريع الفرنسي
        – مما لاشك فيه أن نظام التشريع في المغرب مرتبط إلى حد كبير بالنظام الفرنكوفوني، ومنه نقتبس، وإليه نرجع في كثير من النصوص، وأحيانا ننقل منه بالنقطة والفاصلة، ثم نقوم بترجمة مشوهة، وأحيانا مؤثرة في المعنى.
       – وتبعا لذلك فلا نجد كثيرا من الفرق بين ما هو معمول به لدينا، وبين ما هو معمول به لديهم.
 
-9-
       – فعن عدم استحقاق الأجر إلا مقابل الأجر المنجز، ومقابل الخدمة المؤداة، فإن قانون الوظيفة العمومية المؤرخ في 1959.2.4 كما وقع تغييره بعدة قوانين، منها قانون 1983.7.13، وقانون 1987.7.30، هذا القانــون ينص على أن الراتب لا يــؤدى إلا بعـد إنجــاز العمـــــل “après service fait” ويصفي طبقا للكيفيات المحددة في المرسوم “Decret” المؤرخ في 1962.7.6 المتعلق بالمحاسبة العمومية، وزاد الفصل (4) من قانون المالية الفرنسي لسنة 1961 القول:
       L’absence de service fait pendant une fraction quelconque de la journée donne lieu à une retenue dont le montant est égal à la fraction du traitement frappée d’indivisibilité en vertu de la règlementation prévue à l’alinéa précédent.
       – وهذا المقتضى صريح في أن الأجر لا يستحق إلا مقابل العمل المنجز.
       – وقد وقع تتميمه بالقانون المؤرخ في 1977.7.22 الذي جاء فيه:
Il n’ya pas de service fait
1/ lorsque l’agent s’abstient d’effectuer tout ou partie de ses heures de service.
2/ lorsque l’agent bien qu’effectuant ses heures de travail n’a pas exécuté tout ou partie de ses obligations de service qui s’attachent à sa fonction telles qu’elles sont définies dans leur nature et leurs modalités par l’autorité compétente dans le cadre des lois et règlements.
        – ولاشك أن الهدف من هذا النص المكمل هو التصدي لظاهرة حضور المضربين إلى مقر العمل تحايلا على التغيب، ثم يمسكون عن العمل.
       – وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، المكلف بتسيير مرفق عمومي، فإنه يخضع لقانون الشغل، الذي ينص الفصل 2512/5 منه على ما يلي:
En ce qui concerne les personnels mentionnés à l’article 2512-1 non soumis aux dispositions de l’article 1er de la loi n° 82-889 du 19.10.1982 l’absence de service fait par suite de cessation concertée du travail entraine pour  chaque journée une retenue du traitement ou de salaire et de ses compléments autres que les suppléments pour charges de famille les retenus sont opérées en fonction des durées d’absence définies de la loi précitée .

10
 
       – والقانون رقم 889-82 المذكور في الفصل يتعلق بتحديد نسبة الاقتطاع، وبكيفية تطبيقه وبإجراءات تنفيذه، ويشبه إلى حد كبير القانون رقم 81-12 المغربي المأمور بنفاذه بظهير 1984.12.10.
       – كما نشير إلى أن نسبة الاقتطاع واحدة في القانونين، وإجراءات تطبيقه وإجراءات تنفيذه متشابهة إلى حد كبير.
       – ونشير كذلك إلى أن معظم النصوص القانونية في هذا الموضوع جاءت نتيجة الإجتهادات القضائية في فرنسا والتي كانت رائدة، وكانت تسد الفراغ التشريعي في مجال النزاعات بين الأجراء وبين أرباب العمل، والتي تتسم في كثير من الأحيان بطابع استعراض القوة بين الطرفين بسبب تعارض المصالح.
       – ومن نفائس الاجتهاد القضائي في موضوع الاقتطاع من الأجر،القرار الذي أصدرته محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 1991.2.20، الذي أكد حق الأجير في الحصول على تعويض يساوي المبلغ المقتطع من أجره، إذا ثبت أن السبب في شن الإضراب هو إخلال رب العمل بالتزاماته، مثل عدم دفع الأجر في أجله.
       – وهكذا يتضح أن المشرع المغربي كثيرا ما يسير في ركاب نظيره الفرنسي.
       – ولكن القضاء المغربي لا يواكب نظيره الفرنسي في الإبداع والابتكار، وقد نجد له عذرا في أن قضايا من هذا النوع لم ترفع إليه والمسئولية في ذلك تتحملها النقابات، والمحامون الذين لا يجتهدون في هذا الموضوع.
– علما بأن القضاء المغربي لا يقل كفاءة عن نظيره الفرنسي، وقد أثبت ذلك في القضايا التي عرضت عليه رغم قلتها.
خاتمة
        – في ختام هذه الورقة، نود التذكير بأن الإضراب ظاهرة اجتماعية لم يختص بها عصر دون آخر، ويمارسه البشر بأشكال مختلفة ومتنوعة، بالامتناع عن العمل، أو بالتمرد والعصيان، أو بمجرد إظهار السخط والتذمر من ظروف العمل.
       – وفي هذا الموضوع حدث أن كان الجنود يرفضون مواجهة العدو ومن مقاتلته، الشيء الذي يعد نوعا من الإضراب.
-11-
 
       – وقد تعامل الفقه الإسلامي مع هذه الظاهرة بأن قضى بمنع (العطاء) الذي كان يدفع للجنود من بيت مال المسلمين عن الجنود المضربين.
       – فقد أورد الإمام أبو الحسن علي بن محمد المعروف بالماوردي، في كتابـه النفيـس “الأحكام السلطانية” وفي الباب الثامن منه، تحت عنوان “باب وضع الديوان وذكر أحكامه” ما نصه:
“وإذا جرد الجيش لقتال فامتنعوا، وهم أكفاء من حاربهم، سقطت أرزاقهم”
       – وأضاف القول:
“واختلف الفقهاء أيضا في سقوط عطائه إذا حدثت به زمانة على قولين”
“أحدهما، يسقط لأنه في مقابلة عمل قد عدم”
       – وهذا أصل في أن الأجر لا يستحق إلا مقابل العمل المنجز.
– إن الفقه الإسلامي قد سن قواعد دقيقة جدا، تضبط عقد إجارة العمل، واعتبره من المعاوضات، كما نص على ذلك الإمام ابن رشد القرطبي في كتابه (بدايـة المجتهـد ونهايـة المقتصـد) في بــاب “كتــاب الإجــارات”
       – وقرر أن كل ما يتعلق بعقود المعاوضات، يتوقف فيه أداء الثمن على تسليم العين.
       – وبما أن عقد إجارة العمل والخدمة، لا يتعلق (بالعين) وإنما يتعلق (بالمنفعة) والمنفعة وقت التعاقد معدومة، ولا تتحقق إلا بعد إنجاز العمل.
       – وهذا أصل في أن الأجر لا يستحق إلا بعد إنجاز العمل ما عدا الاستثناءات المذكورة في الفصول 38 و39 و41 من ظهير 24 فبراير 1958.
 
-12-
 
       – وأسأل الله تعالى أن تكون هذه المساهمة المتواضعة قد حققت الغاية منها وهي إغناء النقاش الذي ينبغي أن يفتح في هذا الموضوع وأن يوسع ويعمق، خاصة في أفق القانون التنظيمي الذي يتطلع الجميع إلى تقديمه إلى الجهاز التشريعي في أقرب وقت، لما له من أهمية في تهدئة التوتر في العلاقة بين الموظفين وبين الحكومة وبين الأجراء وأرباب العمل.


– والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أولا وأخيرا
 

شاهد أيضا
شارك برأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.